عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
105
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الحكاية الرابعة والثلاثون عن الفتح خادم الشيخ الجليل العارف باللّه أبي زكريا يحيى بن محمد المرتعش رضي اللّه عنه قال : سألت شيخنا الشيخ يحيى عن ارتعاشه هل هو مرض أو بسبب ؟ فقال : مررت يوما بالهواء على قرية الشيخ بقا رضي اللّه عنه « 1 » فرأيت رجلا جالسا على مزبلة ، فقلت : يا جالسا على هذه المزبلة قم ؛ فإنه لا يجلس على المزابل إلا من منزلته صدور المراتب ، فرفع رأسه ونظر إليّ فإذا هو الشيخ بقا ، فأخذني ارتعاش من هيبة نظرته إليّ . وكان يوما يتحدث في كرامات الأولياء وعنده رجل من ذوي الأحوال والكشف والفتح ، فقال ذلك الرجل : الرجل في زماننا هذا من إذا استقى ماء من البئر طلع إليه في الدلو ذهب ، وإذا توجّه إلى جهة رآها ذهبا ، وإذا وقف يصلّي رأى الكعبة أمامه ، وكان هذا حال ذلك الرجل ، فنظر إليه الشيخ بقا ثم أطرق ، ففقد جميع أحواله ، وتوارى عنه جميع ما يشهده أو يجده ، فجاء إلى الشيخ مستغفرا ، فقال له : ما مضى لا يعود ، أو قال : لا يعاد . قال : وزاره ثلاثة من الفقهاء وصلّوا خلفه العشاء ، فلم تقوم القراءة كما يريد الفقهاء ، فساء ظنهم به ، وباتوا في زاويته ، فأجنبوا ثلاثتهم ، وخرجوا إلى نهر على باب الزاوية ونزلوا فيه يغتسلون ، فجاء أسد عظيم الخلقة ، وربض على ثيابهم ، وكانت ليلة شديدة البرد ، فأيقنوا بالهلاك ، فخرج الشيخ من الزاوية فجاء الأسد وتمرّغ على رجليه ، فجعل الشيخ يضربه بكمه :
--> ( 1 ) هو العارف الكبير من جلّة مشايخ العراق . انتهت إليه تربية المريدين بالاستحقاق ، وقصد للأخذ عنه من الآفاق ، وكان عظيم الجناب رافعا للأسباب ، ويعتزل ويختلى المدد بعد المدد ، ولا يطلب من أحد شيئا من المدد ، وقد قيل : التصوف الإناخة على باب الحبيب وإن طرد ، قال في حقه العارف الجيلاني رضي اللّه عنه : كل المشايخ أعطوا بالكيل إلا بقاء أعطى جزافا . وانتهت إليه رياسة ما وراء النهر ، أخذ عنه خلق كثير وقصد للزيارة وبالنذور . ومن كلامه : الفقر تجرّد القلب من علائق الدارين ثقة باللّه ، وعلامة صحة تجرده أن يتغير حاله بوجود الأسباب وفقدها . وقال : من أنصف الناس من نفسه وقبل النصح من درنه أدرك أشرف المنازل . وقال : من لم يجد له من قلبه زاجرا فهو من إخوان الشياطين وقلبه خراب . وقال : من لم يستعن باللّه على نفسه صرعته . مات سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة . انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 147 ) ، والكواكب ( 414 ) .